السيد محسن الأمين

102

أعيان الشيعة ( الملاحق )

( ص ) وجعله شريكا لله في ذلك وهل هو الا كالرزق الذي لا يقدر عليه الا الله تعالى وهم قد جعلوا قول ارزقني شركا وكفرا وقد نسب الله تعالى إلى عيسى ع الخلق وإبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى بإذن الله بقوله حكاية عنه ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ ) فكيف جاز نسبة ذلك اليه ولم يكن كفرا ولا شركا ولم يجز نسبة شفاء المريض وقضاء الدين والرزق ونحو ذلك إلى النبي أو الولي بإذن الله فإن كان المانع انه لا يقدر عليه الا الله فالكل كذلك وان كان عدم القدرة بعد الموت فهي حاصلة بما دل على حياة الأنبياء بل وغيرهم في عالم البرزخ كما مر في المقدمات . ( وإلى ) ما ذكرنا أشار عالم المدينة السمهودي الشافعي في كتابه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى « 1 » بقوله : وقد يكون التوسل به ( ص ) بطلب ذلك الأمر منه بمعنى انه ( ص ) قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته إلى ربه فيعود إلى طلب دعائه وان اختلفت العبارة ومنه قول القائل له أسألك مرافقتك في الجنة الحديث ولا يقصد به الا كونه ( ص ) سببا وشافعا انتهى وفي قول القائل أسألك مرافقتك في الجنة في الحديث المشار اليه رد لما توهموه من كفر من قال اشف مريضي وانصرني على عدوي ونحوه حتى ادعى ابن تيمية إجماع المسلمين على ذلك كما مر في الباب الثاني فمرافقته في الجنة لا يقدر عليها غير الله نظير غفران الذنب وشفاء المريض بل لو فرض انه ليس ظاهر حال القائل ما ذكرنا وتساوى الاحتمالان أو ضعف الاحتمال الصحيح لم يجز الحكم بالكفر والشرك لوجوب الحمل على الصحة ولو مع الاحتمال الضعيف وعدم جواز التكفير الا مع اليقين ( نعم ) لو قصد في الوجه الأول والثالث ان المستغاث به هو الفاعل لذلك اختيارا واستقلالا بدون واسطته تعالى واقداره فالمسلمون منه براء ولكنه لا يوجد بين المسلمين أحد يقصد ذلك نعم ربما يوجد من لا يخطر بباله شيء تفصيلا فيجب حمله أيضا على الوجه الصحيح من طلب الدعاء والشفاعة دون غيره لأنه وان لم يقصد ذلك ولم يلتفت اليه تفصيلا الا انه مقصود له اجمالا ولهذا لو سئل انك هل تعتقد انه قادر على ذلك بلا واسطته تعالى لقال كلا لا اعتقد ذلك وتبرأ ممن يعتقده ولو قيل له هل مرادك طلب الدعاء والشفاعة لقال نعم . وحيث ظهر ان مرجع ذلك إلى طلب الشفاعة وسؤال الدعاء ( فنقول ) أما الشفاعة فمضى الكلام فيها في الفصل السابق وانها لا تخرج عن سؤال الدعاء ( واما سؤال الدعاء ) فلا مانع منه عقلا ولا شرعا من حي ولا ميت اما من الحي فاعترف الوهابيون ( والمنة لله ) بجوازه ولم يجعلوه شركا ولا كفرا ولا بدعة صرح بذلك ابن عبد الوهاب والصنعاني وقبلهما ابن تيمية . قال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور « 2 » ثبت عنه ص ( ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة الا وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك ولك مثل ذلك ) ومن المشروع في الدعاء إجابة غائب لغائب « 3 » ولهذا أمر ( ص ) بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ففي الحديث إذا 102 سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فان من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون ذلك العبد فمن سال الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة ويشرع طلب الدعاء ممن هو فوقه ودونه فان النبي ص ودع عمر إلى العمرة وقال لا تنسنا من دعائك يا أخي و ثبت في الصحيح انه ص ذكر أويس القرني وقال لعمر إن استطعت ان يستغفر لك فافعل وفي الصحيحين كان بين أبي بكر وعمر ( رض ) شيء فقال أبو بكر لعمر استغفر لي لكن في الحديث ان أبا بكر ذكر انه حنق على عمر وثبت في الصحيحين ان الناس لما أجدبوا سألوا النبي ص أن يستسقي لهم فدعا الله لهم فسقوا انتهى ثم ذكر حديث الأعرابي الذي قال للنبي ( ص ) ادع لنا ولم ينكر عليه وقد مر في فصل الشفاعة . وأما طلب الدعاء من الميت فمنعه ابن تيمية وتبعه ابن عبد الوهاب وسائر الوهابية . قال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور « 4 » وان قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته كما تقول للحي ادع لي وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ( ص ) الدعاء فهذا مشروع في الحي وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا ان نقول ادع لنا ولا اسال لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا امر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في الصحيح انهم لما اجدبوا زمن عمر ( رض ) استسقى بالعباس وقال اللهم انا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون ولم يجيئوا إلى قبر النبي ( ص ) قائلين يا رسول الله ادع الله لنا ونحن نشتكي إليك مما أصابنا ونحو ذلك لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ * بل كانوا إذ جاءوا عند قبر النبي ص يسلمون عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر بل ينحرفون عنه ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع انتهى ( وقال ) ابن عبد الوهاب في كلامه السابق في هذا الفصل ان أصحاب رسول الله ( ص ) كانوا يسألونه الدعاء في حياته أما بعد وفاته فحاش وكلا انهم سألوا ذلك ( وقال ) الصنعاني في كلامه السابق أيضا كان الصحابة يطلبون الدعاء منه ( ص ) وهو حي وهذا امر متفق على جوازه ( وفي ) الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية بل يطلب من أحدهم ( أي الأولياء ) الدعاء في حال حياته بل ومن كل مسلم انتهى ( فابن تيمية ) جعله بدعة وابن عبد الوهاب والصنعاني في كلاميهما السابق في صدر الفصل زادا في نغمة الطنبور فجعلاه كفرا وشركا والحق جوازه كما جاز من الحي لعدم ظهور مانع منه فإن كان منعه لأنه خطاب للمعدوم وهو غير قادر على سماع الكلام ولا على الدعاء فيرده ما مر في المقدمات من أنه ( ص ) وسائر الأنبياء أحياء بعد الموت وانه يسمع الكلام ويرد الجواب ويبلغه صلاة وتسليم من يصلي ويسلم عليه وان علمه بعد وفاته كعلمه في حياته وان أعمال أمته تعرض عليه وانه يستغفر لهم . وكما يدعو لهم بالمغفرة يدعو لهم بغيرها من خير الدنيا والآخرة لأنه ( ص ) كما

--> ( 1 ) صفحة 86 . ( 2 ) صفحة 421 ج 2 طبع عام 1326 بمصر . ( 3 ) كان صوابه ومن المشروع في إجابة الدعاء دعاء غائب لغائب . ( 4 ) صفحة 155 .